ابن قيم الجوزية
571
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
البقيع ، فيقضي حاجته . ويأتي أهله ويتوضأ . ويدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الركعة الأولى . فهذا هو التخفيف الذي أمر به . لا نقر الصلاة وسرقها . فإن ذلك اختصار ، بل اقتصار على ما يقع عليه الاسم . ويسمى به مصليا ، وهو كأكل المضطر في المخمصة ما يسد به رمقه : فليته شبع على القول الآخر ، وهو كجائع قدم إليه طعام لذيذ جدا . فأكل منه لقمة أو لقمتين . فماذا يغنيان عنه ؟ ولكن لو أحسّ بجوعه لما قام من الطعام حتى يشبع منه وهو يقدر على ذلك . لكن القلب شبعان من شيء آخر « 1 » . ومثال هذا التوسط في حق الأنبياء عليهم السلام : أن لا يغلو فيهم ، كما غلت النصارى في المسيح ، ولا يجفو عنهم ، كما جفت اليهود . فالنصارى عبدوهم . واليهود قتلوهم وكذبوهم . والأمة الوسط : آمنوا بهم ، وعزروهم ونصروهم ، واتبعوا ما جاؤوا به . ومثال ذلك في حقوق الخلق : أن لا يفرط في القيام بحقوقهم ، ولا يستغرق فيها ، بحيث يشتغل بها عن حقوق اللّه ، أو عن تكميلها ، أو عن مصلحة دينه وقلبه ، وأن لا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية . فإن الطرفين من العدوان الضار . وعلى هذا الحد ، فحقيقة الأدب : هي العدل . واللّه أعلم . درجات الأدب قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : منع الخوف : أن لا يتعدى إلى اليأس ، وحبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن ، وضبط السرور : أن يضاهي الجرأة » . يريد : أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط ، واليأس من رحمة اللّه . فإن هذا الخوف مذموم . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : حد الخوف ما حجزك عن معاصي اللّه . فما زاد على ذلك : فهو غير محتاج إليه . وهذا الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة اللّه تعالى ، التي سبقت غضبه ، وجهل بها . وأما « حبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن » . فهو أن لا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة . فإنه لا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون . وهذا إغراق في الطرف الآخر . بل حد الرجاء : ما طيّب لك العبادة ، وحملك على السير . فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة . فإذا انقطعت وقفت السفينة . وإذا زادت ألقتها إلى المهالك . وإذا كانت بقدر : أوصلتها إلى البغية .
--> ( 1 ) نعم . واللّه . فإن الصلاة هي غذاء الروح والقلب . فإنه بحاجة إلى غذائه مما يتنزل من رحمات اللّه . كما أن الجسم بحاجة إلى الغذاء مما تخرج الأرض . ولما كان كل منهما يهضم غذاءه ، فيحتاج إلى غذاء جديد . تفضل اللّه ربنا سبحانه . فجعل الصلوات خمسا مقسمة على أجزاء اليوم هذا التقسيم الحكيم ليأخذ الروح والقلب - الإنساني المعنوي الكريم - وجبة الغذاء بعد اضطرابه في شؤون الحياة وفتنها التي هضمت غذاءه ، كالجسم سواء بسواء . وهكذا العلم وبقية ما تفضل به علينا ربنا الكريم من العبادات . والأعمال الصالحات .